تفتح واقعة الاعتداء على طفل من ذوي الهمم داخل منزله أثناء جلسة تخاطب بالقليوبية بابًا بالغ القسوة حول الحماية الفعلية للأطفال، حين يتحول من يفترض أن يساعدهم إلى مصدر خوف وأذى لهم.

 

 

 

 

وتضع التحقيقات الجارية أخصائية التخاطب أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لا يخففها أي ادعاء بالتأديب أو التوعية، فالعنف ليس وسيلة علاج ولا تدريبًا مقبولًا مع طفل يحتاج الأمان.

 

وبينما رصدت كاميرات المراقبة الواقعة التي حدثت يوم 28 يوليو، لم يكن الطفل قادرًا وحده على نقل ما تعرض له، وهو ما يضاعف فداحة الجريمة ويجعل الصمت حولها مشاركة مؤلمة.

 

كما أن بلاغ الأب في اليوم التالي، 29 يوليو، لم يأت نتيجة رقابة رسمية أو متابعة مهنية، بل جاء لأن الأسرة راجعت الكاميرات داخل غرفة طفلها واكتشفت ما جرى.

 

ولذلك لا تبدو القضية واقعة فردية معزولة بقدر ما تعكس ثغرة خطيرة في منظومة تفترض أن تراقب العاملين مع الأطفال الأكثر احتياجًا للرعاية، لا أن تتركهم رهائن حسن النوايا.

 

 

طفل يحتاج الحماية لا العقاب

 

ويرى المحامي الحقوقي نجاد البرعي أن أي اعتداء بدني على طفل داخل علاقة علاجية يمثل انتهاكًا مضاعفًا، لأن الطفل يدخل الجلسة تحت سلطة شخص بالغ يملك المعرفة والثقة المهنية.

 

ويؤكد البرعي أن تبرير الضرب بهدف التوعية يفرغ الحماية القانونية من معناها، ويعيد إنتاج خطاب قديم يسمح للعاملين في الرعاية بتجاوز الحدود تحت لافتة التربية أو الإصلاح.

 

كما أن الطفل من ذوي الهمم قد يواجه صعوبة في التعبير عن الألم أو وصف المعتدي أو استيعاب ما وقع، ما يجعل استغلال هشاشته فعلًا أكثر قسوة وخطورة.

 

ومن ثم لا يجوز اختزال الأمر في عبارة عدم حدوث إصابة، لأن الأذى لا يقاس بالكدمات وحدها، بل بالخوف والارتباك وفقدان الثقة في العلاج والبالغين والمساحة التي يفترض أنها آمنة.

 

ويشير خبراء التربية الخاصة إلى أن جلسات التخاطب تقوم على الصبر والتكرار والتواصل الإيجابي، لا على الإهانة أو الصراخ أو العقاب البدني الذي ينسف هدف الجلسة من أساسه.

 

وفي المقابل، تتحمل الجهات التي تمنح التراخيص أو تتابع ممارسة المهنة مسؤولية مباشرة عن غياب قواعد ردع واضحة، تضمن ألا يتحول المنزل أو المركز إلى مكان مغلق بلا محاسبة.

 

 

رقابة غائبة خلف الأبواب

 

ويقول محمد زارع، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، إن حماية الأطفال لا تبدأ بعد انتشار الفيديوهات، بل تبدأ قبل ذلك بإجراءات رقابة مستقلة وآليات شكوى سهلة وسريعة للأسر.

 

ويضيف زارع أن الاعتماد على رد الفعل بعد تداول المقاطع يفضح منطقًا إداريًا متأخرًا، إذ يصبح الحق في الحماية مرتبطًا بوجود كاميرا أو قدرة الأسرة على إثبات ما حدث.

 

وبينما أتاح التصوير توثيق الواقعة في هذه الحالة، تظل أسئلة موجعة مطروحة بشأن أطفال آخرين قد لا تملك أسرهم كاميرات مراقبة، أو لا تعرف كيف تتابع الجلسات المنزلية.

 

كذلك لا يكفي أن يكون المعالج حاصلًا على مسمى وظيفي، ما لم تقترن الممارسة بسجل مهني معلن وتدريب مستمر ومدونة سلوك وعقوبات تمنع عودة المعتدي للعمل مع الأطفال.

 

ولهذا ينبغي أن تلتزم المراكز ومقدمو الجلسات المنزلية بإخطار الأسر بحقوق الطفل، وبآليات اعتراض فورية، وبضوابط تمنع انفراد أي معالج بالطفل دون حماية أو متابعة مناسبة.

 

غير أن ترك الأسر وحيدة أمام سوق واسع للعلاج والتأهيل يفتح المجال للدخلاء وللممارسات القاسية، ويجعل البحث عن متخصص موثوق رحلة مرهقة لمن يواجهون أصلًا أعباء الرعاية اليومية.

 

 

مسؤولية الدولة لا تنتهي

 

وترى المحامية الحقوقية ماهينور المصري أن التحقيق الجنائي ضروري، لكنه لا يكفي وحده إذا انتهى باعتبار الواقعة خطأ شخصيًا منفصلًا عن تقصير مؤسسات الرعاية والرقابة والتنظيم.

 

وتشدد المصري على أن الدولة مطالبة بضمانات وقائية تحمي الطفل قبل وقوع الاعتداء، لا بالاكتفاء بإجراءات لاحقة قد تأتي بعدما يترك العنف أثره النفسي العميق في الضحية.

 

ومن هنا تصبح النيابة أمام اختبار يتجاوز محاسبة المتهمة، إلى فحص الظروف التي سمحت بوصولها إلى طفل من ذوي الهمم داخل جلسة مهنية دون نظام حماية واضح.

 

كما يجب الاستماع إلى الأسرة بوصفها طرفًا متضررًا لا مجرد مصدر للبلاغ، وتوفير دعم نفسي للطفل حتى لا تتحول الواقعة إلى تجربة طويلة من القلق ورفض العلاج.

 

وفي السياق نفسه، تحتاج الأسر إلى قنوات معلنة للإبلاغ عن أي إساءة، مع حماية المبلغين من التعطيل أو الضغط، ونشر نتائج التفتيش والعقوبات المهنية بقدر يسمح بالردع والشفافية.

 

لكن الخطاب الرسمي الذي يكتفي بعبارات الإجراءات القانونية لا يجيب عن السؤال الأهم: كم طفلًا تعرض للإهانة أو الضرب بعيدًا عن الكاميرات، ولماذا لم تصل حمايته في الوقت المناسب؟

 

وبالتالي لا بد من مراجعة تراخيص أخصائيي التخاطب والعاملين مع الأطفال، وإلزام الجهات المهنية بسحب الاعتماد ممن يثبت اعتداؤه، ومنعه من العودة إلى أي عمل مشابه.

 

وفي النهاية، لا يحتاج طفل من ذوي الهمم إلى مزيد من الأوامر القاسية أو الأيدي المرتفعة، بل إلى متخصص يحترم إنسانيته ويمنحه وقتًا وأمانًا وعلاجًا يليق بحقه الكامل في الكرامة.